ابن الفارض

197

تائية ابن الفارض ( شرح القاشاني : كشف الوجوه الغر لمعانى نظم الدر )

تكلّمت بذكر اسمي أميل إلى نفسي للاستماع ، وتسكت لتطلّعي إلى من أسمعني ذكري بواسطة نطقي ، وإصغاء المرء إلى نفسه لاستماعه ذكره منه أيضا من العجائب ، ومنها قوله : وألصق بالأحشاء كفّي عساي أن * أعانقها في وضعها عند ضمّي ( إلصاق ) الشيء بالشيء : إلزاقه به ، و ( الإحشاء ) جمع الحشاء ، وهو كل ما يحتشى به البطن ، و ( المعانقة ) بمعنى الملازمة ، و ( الضمّة ) مرة من الضم ، وهو التأليف ، والضمير في ( أعانقها ) للمحبوبة ، وفي ( وضعها ) ل ( الكف ) ، يعني : وألزق كفّي بما في باطني من الأحشاء رجاء أن ألازم المحبوبة في وضع كفّي على الأحشاء عند ضمتي نفسي إلى نفسي ، وأراد بالأحشاء ما في باطنه من الحقائق الذاتية ؛ كالروح والقلب والنفس بالكفّ قوته الآخذة الواجدة ؛ كما دلّ عليه قوله بعد هذا حيث قال : ( وعانقتني لا بالالتزام جوارحي الجوانح لكني أعنقت هويتي ) ، واعتناق الشيء نفسه عجيب أيضا ، ومنها قوله : وأهفو لأنفاسي لعلّي واجدي * بها مستجيزا أنّها بي مرّت ( هفا ) الشيء في الهواء يهفو : طار ، و ( هفا ) الظليم يهفو : عدا عدوا ، فعلى الوجهين قوله : ( وأهفو لأنفاسي ) كناية عن شدّة الميل إليها ، و ( الاستجازة ) : طلب الجواز ، و ( مستجيزا ) حال من الضمير [ 247 / ق ] في ( أهفو ) ، والضمير في ( بها ) عائد إلى ( الأنفاس ) ، و ( إنّ ) في ( إنها ) بالفتح والكسر للتعليل رجاء الوجدان ، يعني : وأميل مسرعا إلى أنفاسي رجاء أن أجد بها نفسي في حال كوني طالبا جوازها بي ؛ لأنها مرّت بنفسي ، لأن النفس ريح جارّة قارّة بالقلب الذي هو مسكن حقيقة النفس ، فتكون الأنفاس لمرورها بالنفس متحمّله نفحاتها إليه ، فيجدها بوجدان نسيمها ، وطلب المرء وجدان نفسه ، لا سيما من النفس أمر عجيب أيضا ، ويتعلق بقوله : ( وما زلت في نفسي ) قوله : إلى أن بدا منّي لعيني بارق * وبان سنى فخري ، وبانت دجنّتي يعني : ما زلت في نفسي متردّد إلى أن ظهر لي من ذاتي لعيني نور ساطع ، وظهر تباشير صبح كشفي فارقت ظلمة حجابي ، ( بان ) يبين بيانا : ظهر ، و ( بينونة ) : فارق ، و ( الدجنة ) : الظلماء ، وبقوله : ( أسافر عن علم اليقين ) قوله : هناك إلى ما أحجم العقل دونه * وصلت ، وبي منّي اتّصالي ووصلتي فأسفرت بشرا ، إذ بلغت إليّ عن * يقين يقيني شدّ رحل لسفرتي